لكــل شــىء إذا مــا تــم نــقصـــان
فــلا يـغــر بـطيـب العـيـش انســان
هــى الأمــور كمـا شــاهدـتهـا دول
مـــن ســرَّه زمــن ســاءته أزمــان
أعـنـدكـم نــبـأ مــن أهــل أندلـس ؟
فقـد سرى بحـديـث الـقـوم ركـبـان
كـم يسـتغيث بنا المستضعفون وهم
أسـرى وقـتـلـى فـمـا يـهـتـز انسان
ماذا الـتـقاطع فـى الإسـلام بينـكمـو
وأنـتـمـو يــا عـبـاد الله اخــــوان ؟
المشهد مؤثر .. يدمى الروح ويشقى النفس ..
تلك اللحظات التى اعتلى فيها الملك ( أبو عبد الله محمد ) ، آخر ملوك العرب والمسلمين فى الأندلس هذه الربوة الشهيرة ، المشرفة على قصور الحمراء ( زفرة العربى الأخيرة ) كما سماها الأسبان فيما بعد .. وألقى نظرته الأخيرة على غرناطة ، وطافت برأسه ذكريات عزيزة على نفسه ، لهذه المدينة الغالية التى كانت عاصمة مملكته ، وشهدت ملك بنى الأحمر وعظمتهم لأكثر من قرنين من الزمان .. ووقف الملك المهزوم لحظات يتملى بمنظر حاضرته الذاهبة ، وقصوره الضائعة قبل أن تحرم عيناه رؤية جمالهما إلى الأبد .. وبكى مُلكا ضائعا وجنة فقدها ، وأبكى من حوله .. وقد احتشدت فى رأسه ذكريات الأمس وعظمة الماضى .. و جاء صوت الأميرة ( عائشة الحرة ) أمه ؛ معبرا عن حزن ولوعة ، وموبخا للملك المكلوم :
ـ ابك كالأطفال ملكا ؛ لم تصنه كالرجال .. !
ومضى الركب بالملك المهزوم فى صمت وحزن ، إلى منفاه بمدينة ( البشرات ) كما نصت اتفاقية تسليم المدينة مع ( فرديناند ) ملك قشتالة .. بعد حصاره المدينة لأشهر ، عانى خلالها المسلمون أهوالا جساما ، ولاقوا من صنوف المحن والبلايا ؛ ما يفوق احتمال البشر .. فقرر الملك ( أبو عبد الله ) تسليم المدينة .. ووُضعت شروط التسليم بعد مفاوضات أحاطها الكتمان ، وفرضتها قوة المنتصر وقبل بها ضعف المهزوم .. ودخل ( فرديناند ) المدينة مزهوا بنصره ، منتشيا بقوته .. وراح يجوب حدائق الحمراء إلى آخر النهار ، ويجيل البصر فى روائعها وآثارها العربية .. ولم ينسى تلك اللحظات التى حُددت للقاء الملك ( أبى عبد الله ) ، والتى سلمه فيها مفاتيح الحمراء قائلا بأسى :
ـ أيها السيد .. إن هذه المفاتيح هى الأثر الأخير لدولة العرب فى أسبانيا ، وقد قضى الله أن يصير إليك ملكها .. فكن عادلا فى انتصارك ، رحيما فى ظفرك .
وكانت بداية سقوط الدولة العربية فى الأندلس مع بداية القرن السابع الهجرى ، وما جاء القرن التاسع إلا وقد ضاقت حدودها إلى شريط ضيق من الأرض حول مدينة غرناطة ، بعد أن كانت شبه الجزيرة الأندلسية كلها فى يد العرب .. وكان انقسامها إلى دويلات واشتعال الفتن الحروب والمنازعات فيما بين أمرائها ، هو العامل الأول الذى أدى إلى سقوطها ؛ بهذا الشكل المروع فى يد الأسبان ، الذين نجحوا فى جمع شتاتهم وتوحيد صفوفهم ، ففى الوقت الذى كان مسلمو الأندلس يختلفون فيما بينهم ، ويمزق التدابر أوصالهم ، ويقطع حبال ودهم .. كان الأسبان يحكمون عقدهم ، وينظمون صفوفهم ليتم لهم بالإتحاد والإجتماع القضاء على قوة المسلمين ، وزادت قوة الأسبان باقتران ( فرديناند ) و ( إيزابيلا ) ، وإتحاد مملكتى ( قشتالة ) و ( الأراغون ) فى دولة واحدة ، قبل سقوط (غرناطة ) ببضعة عشر عاما .. وأصبحت هذه الدولة بوضعها الجديد مبعثا للشر ومصبا للبلاء ، على البقية الباقية من المسلمين فى غرناطة .. فمنها تخرج الغارات وفيها تدبر المؤامرات ، وإليها تعود المعاهدات والمكاتبات للتفريق بين المسلمين .
ولم يكن تولى الملك ( أبو عبد الله محمد ) لعرش غرناطة ، من السهولة بمكان .. فقد وصل إلى العرش بعد خلافات ومنازعات امتدت لأكثر من جبهة ، ولولا تدخل والدته الأميرة ( عائشة الحرة ) لما تم له ذلك .. حيث كان للسلطان ( أبى الحسن ) والد الملك المغلوب ولدان من فتاة أسبانية جميلة تزوجها فأسلمت وتسمت باسم ( ثريا ) .. وكان له ولدان من الأميرة العربية ( عائشة الحرة ) أحدهما الملك ( أبو عبد الله ) .. وانقسمت ( غرناطة ) أيامها إلى قسمين : فقسم يتعصب للأميرة العربية ( عائشة الحرة ) ، ويرشح ولدها للعرش لأنه عربى النسب لم يلوثه الدم الأسبانى .. وقسم يتعصب للأميرة ( ثريا ) ويتلقى منها التوجيه والتشجيع .. وسرعان ما استجاب السلطان الشيخ لضغوط الأسبانية الفاتنة ، فحرم زوجته الأميرة ( عائشة ) وولديها كل عطف وحنان ، وشدد عليهم الحراسة فى برج ( قمارش ) من أبراج ( الحمراء ) ، وأسرف فى إساءة معاملتهم .. ثم اشتد غضبه على زوجتيه ؛ فتنازل عن العرش لأخيه ( أبى عبد الله الزغل ) .. وبذلك ضاع العرش على ولدى الأميرتين ( عائشة ) و ( ثريا ) فى حياة أبيهما .
وكان هذا التنازل هو ما فجر المنازعات بين ( أبى عبد الله محمد ) وبين عمه ( أبى عبد الله الزغل ) الذى نزل له أخوه عن الملك .. وهكذا اكتوت ( غرناطة ) فى بضع السنوات الأخيرة بنار الخلاف والنزاع .. وانقسم المسلمون فيها إلى فريقين جديدين ؛ أحدهما يناصر ( أبا عبد الله الزغل ) والآخر يناصر ابن أخيه ( أبا عبد الله محمد ) .. وكانت الفرصة مواتية لتدخل دولة ( قشتالة ) فى الصراع ، فكانت تنصر هذا على ذاك ، أو تضرب هذا بالآخر حتى قضت عليهما معا .. وكان أن ساندت الأميرة ( عائشة ) ولدها حتى اعتلى عرش غرناطة ، فما كان من عمه إلا أن استعدى عليه الأسبان ، بل وبلغ به الأمر لأكثر من ذلك فسار إلى ملك الأسبان وعرض عليه طاعته ، فأجابه ( فرديناند ) إلى طلبه ، فآلت بذلك ملكية ما تحت يديه من الأراضى والمدن العربية إلى المسيحيين ، حتى دخلوا مدينة ( وادى آش ) عام 895 هـ ، وبسطوا سلطانهم على كثير من مدن وأراضى المملكة .. ثم التفت ( أبو عبد الله الزغل ) حواليه ؛ فوجد نفسه مجرد تابع حقير للأسبان ، وأيقن أن تلقيبه باسم ( ملك أندرش ) لا يعدو أن يكون مهزلة أتقن صنعها والتخطيط لها الداهية ( فرديناند ) .. فتنازل عن كافة امتيازاته التى منحها له الأسبان ، وعبر البحر إلى بلاد المغرب ، لعله ينعم بشىء من الهدوء ويكفر خلاله عما أساء به إلى وطنه وأمته .
وَحَسِبَ الملك الشاب بذلك أنه راقت له الدنيا بتخلصه نهائيا من عمه ، واطمأن فى غفلته إلى أعدائه من الأسبان ، الذين كانوا يعدون العُدة للإجهاز عليه ، ويتحينون الفرصة المناسة للخلاص من الأثر الباقى للعرب والمسلمين فى الأندلس .. فسرعان ما طلب ( فرديناند ) منه تسليم قصور الحمراء ـ مقر الملك والحكم فى غرناطة ـ على أن يبقى هو فيها تحت حمايتهم وفى طاعتهم .. وكاد الضعف والإنكسار أن يحمل الملك ( أبو عبد الله محمد ) على قبول التسليم ، لولا اصرار أهل الرأى وكبار القواد فيها على القتال والدفاع عنها .. وهو ما حمل الأسبان على الإغارة عليها ، يؤججهم الغيظ من هذا الإباء العربى الكريم .. مما اضطر كثير من المسلمين إلى الفرار من المدن التى كانت عرضة لهجمات الأسبان .. وفى هذه الأثناء كانت ( غرناطة ) فى ثباتها ومنعتها تمثل الصلابة العربية ؛ التى لا تلين أمام مثل هذه الأحداث .. وازدحمت شوارعها بالوافدين عليها للدفاع عنها من العرب والمسلمين .. فأصبحت بذلك مبعثا للثورة والحمية فى قلوب الجميع .. وصمم ( فرديناند ) على اخماد جذوة هذه المدينة الصابرة ، فضرب حولها الحصار لأشهر طويلة ، حتى بلغ الهول بالمسلمين والضيق حدا لم تعد تنفع معه شجاعة ، وأهلها يتضورون جوعا وضعفا .. فقرروا تسليم المدينة .
وخرج الملك المقهور إلى منفاه فى ( البشرات ) ، حيث أمضى بها بعض الوقت .. ثم لم يلبث أن غادر الأندلس كلها إلى بلاد المغرب ، فأنشىء عددا من القصور في مدينة ( فاس ) على الطراز الأندلسى ، لعله يستعيد بذلك شيئا مما علق بالذاكرة ، من وطنه الغالى الذى أجبر على الخروج منه .. وأمضى ما تبقى من عمره يعتذر عما بدر منه .. وما فرط فيه .. ولعله استنفد كل دموعه يوم نهرته والدته ، حين بكى كالأطفال ملكا لم يصنه كالرجال .. فلم تسعفه الدموع بعدها أبدا ؛ على وطن مضاع وفردوس فقدناه .. لتبقى الأندلس فى ضمير كل عربى وكل مسلم ؛ كحلم حققه الأجداد حتى عايشوه واقعا .. ولا يجب أن تفارق مخيلتنا دروسه .
دهــى الجــزيـرة أمـر لا عزاء لــه
هـــوى لــه أحــد وانـهــد ثـهــــلان
فاسأل ( بلنسية ) ما شأن ( مرسية )
وأين ( شاطبة ) أم أين ( جـيـان ) ؟
وأيـن ( قرطبة ) دار العـلـوم فــكـم
من عالـم قـد سـمـا فـيـهـا لــه شــان
وأين ( حمص ) وما تحويه من نزه
ونـهـرهـا الـعذب فــيـاض ومــلآن
قـواعــد كــن أركـان الـبـلاد فــمـا
عـســى الـبـقاء إذا لم تبق أركان ؟