الأستاذ/ يحيى حسن
حينما تمتزج على وجهك لوحة تشبه >>
I am currently in the office
يا له من شعورٍ مليء بالفخر والانسجام، وأنت تستعد
للنقر على أيقونة ابتسامة القراصنة، وأنت تبدأ في
تلاوة نص الرسالة التي تقول بأنك ستقضي إجازتك السنوية
من الفترة إلى الفترة، ثم تشرع في جمع أغراضك الخاصة
من كتبٍ وأوراقٍ وغيرها استعداداً للتوجه إلى مواقف السيارات.
ولعلك تجد نفسك ولأول مرة تخرج من مكتبك إلى سيارتك
وأنت تخطو خطواتٍ واثقة وبطيئة؛ ليست كما اعتدتَ بأن
تطلق العنان لساقيك المليحتين فَرِحاً بنهاية الدوام اليومي.
بالمناسبة، هل قارنت بين خطوات قدميك في يوم دوامك العادي
ويوم دوامك الأخير قبل الإجازة؟
وقِس على ذلك تصرفاتك وتعاملاتك وزياراتك ومشاويرك وحتى شخيرك،
كلها أصيبت بطول البال وراحة الطحال ولذة المنال.
يا له من شعورٍ جميل أن تعود إلى الوراء من أجل الذكريات:
هل تتذكر أول إجازة سنوية قضيتها بعيداً عن العمل؟
وهل تتوق إلى الأماكن التي هربت إليها في آخر إجازة قضيتها؛
مبتعداً بمئات وربما آلاف الأميال عن مكتبك المربع والمليء بالساعات؛
في أجهزة الكمبيوتر واللاب توب وهاتف المكتب والجوال
وربما تلك الساعة المضلّعة والتي تضع فيها صورة طفلك،
وإن لم تكن لديك واحدة، فلا بد من ساعة على الحائط!
إنه إحساسٌ أشبه ما يكون في علبة هندسة يابانية، رغم أن اليابانيين
يعتبرون أن الوقت أحد أهم الأصول التي يجب استثمارها.
فتجدهم يربطون قيمة الوقت بقيمة العمل بقيمة العميل، والنتيجة تبرز
في تقديم أسلوب الإنتاج في الوقت المحدد وتحت راية (Just in Time).
غير أن ذلك لا يستمر إلا عقب الهروب من تلك الراية ومن ثم العودة
إليها مجدداً، نظراً لما تتطلبه المصلحة البيولوجية في نفس الإنسان.
فالنفس البشرية، كالسيارة تحتاج إلى صيانة دورية؛
كما وصف أخصائي الطب النفسي، الدكتور عمرو أبو خليل.
بل إنها تحتاج إلى محطاتٍ لتموينها، وهنا تأتي الإجازة السنوية
كأكبر محطة لتموين وتفريغ وإعادة شحن النفس البشرية بمستلزمات
وفنون الراحة والقدرة على الاستمتاع بالحياة (إعادة التأهيل النفسي).
إنك إذا لم تشحن نفسك بطاقة نفسية متجددة؛ إذا لم ترحها؛ إذا لم تمتعها؛
إذا لم تخل بينها وبين ما تحب، فستتعطل وستتوقف، وستحصل على الراحة
قسراً مما يجبرك على المكوث في البيت لتخسر الساعات التي تصورت أنك
توفرها عندما لا تستمتع بقضاء إجازتك أو حتى بالذهاب للفسحة
أو للقاء الأصدقاء أو لممارسة الهواية. بل ستخسرها وأنت مريض
تعاني الاكتئاب أو الخوف أو الوسواس، وستحتاج لوقت من العلاج
النفسي حتى تعود نفسك لاستوائها واستقرارها. كل ذلك يمكنك
أن توفره بأن تجدد حياتك ساعة في اليوم.. ويوم في الأسبوع.. وأسبوع في الموسم...
ولا تنسَ نصيبك من الإجازة، وتذكر نصيحة عمال صيانة السيارات
وهم يقولون: لا تترك السيارة حتى يفرغ البنزين منها تماماً، فهذا
يجعل الشوائب تمر فتسد منافذ السيارة فتتعطل وتتوقف، لا بد من
أن تمدها بالبنزين أولاً بأول. فعليك أن تمد نفسك البشرية بالراحة
والاستجمام، ولن تجد أروع من إجازتك السنوية التي تضخ لديك
الاستمرار الصحي في مواجهة ضغوط العمل وتحديات المبادرة،
وتعود إلى مكتبك المربّع، حيث تشتاق إلى زملائك وبريدك الإلكتروني،
مبتدئاً بـ(I am currently in the office)
لتنطلق نحو رحلة تزلجٍ جديدة على سطحٍ أملس من الراحة. الرسالة