تخيل أن الدكتورة غادة المطيري الأستاذة والباحثة في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو.. وتخيل أن الدكتورة حياة سندي الأستاذة والباحثة في جامعة كامبريدج سابقاً وحالياً في جامعة هارفارد قالت كل منهما للأخرى: وطننا أولى بنا.. فكل اكتشاف علمي ننجزه وتتهافت عليه مراكز البحوث في العالم، نسجله باسم بلادنا واُمتنا.. ونرفع اسم الوطن في العالي. أحسنت كل منهما الظن بتراحيبنا الإعلامية العصماء وتوجهتا للوطن.. والتحقت كل منهما بجامعة من جامعاتنا.ترى كيف استقبلتهما البيئة العلمية، وما هي المشاكل التي واجهتهما.. هل تغلبتا عليها.. وإلى أين انتهت مسيرتهما؟
لن أسرد التفاصيل ولكن سأكتفي بتلخيص معاناتهما في قصة واحدة. ذهبت إحداهما إلى الجامعة واكتشفت أن الكلية التي تعمل بها لا تستطيع توفير ميزانية البحث الأول التي تقدر بمبلغ عشرة ملايين ريال. وبعد أن تلقت الصدمة الأولى وأخذت تعمل على إعداد الميزانية، واجهتها مشكلة ثانية متعددة الأوجه.حيث طلبوا منها تجهيز معملين أحدهما نسوي والثاني ذكوري والاستغناء عن عدد من الباحثين الذين عملوا معها في أكثر من جامعة في بريطانيا وأمريكا بحجة السعودة وإبدال رئيس إحدى الفرق البحثية السيد إرشاد مظفر بوكيل الكلية أو عميدها اللذين ليس لهما علاقة بالموضوع خاصة أن أعمالهما الإدارية لا تمكنهما من التفرغ للبحث.
أخذت تفكر جدياً فيما هو آت فقرأت مسودة عقد البحوث فوجدت فيه بنوداً لم تشاهد لها مثيلاً ً طوال عملها في مراكز البحوث العالمية: فعليها أن تقدم فواتير( مضروبة) من أية مكتبة لزوم الطباعة وعليها أن تكتب بيدها قيمة مشتريات النثريات التي ليس لها فواتير.فسألت نفسها كيف أعمل فواتير لمصروفات سددتها ببطاقتي الائتمانية لشراء الحقوق الفكرية وحقوق استخدام رأي علمي من مواقع خدمات البحث الإلكترونية؟ جمعت هذه الملاحظات لتناقشها في اليوم التالي في اجتماع القسم الذي ذهبت إليه متأخرة عشر دقائق بعد أن استنجدت بشقيقها ليوصلها بسيارته لمرض السائق فجأة.وفي الاجتماع كان عليها أن تنتظر مع زميلاتها عشر دقائق أخرى لحين إصلاح جهاز الصوت الذي ينقل كلام الأكاديميين الرجال إلى الأكاديميات النساء.
لم يعطها رئيس القسم حق الكلام بحجة ازدحام جدول الأعمال بمواضيع مهمة، لكنه خصص جزءاً كبيراً من الوقت لمساءلتها عن سبب عدم الإشادة بدوره المظفر (وإشرافه)!على بحثها أثناء حديثها للصحافة.وبعد الاجتماع، قالت لزميلاتها: خلال أسبوعين من متابعة معاملات البحث، تعرفت بالتليفون على سكرتير القسم وسكرتير الكلية ومدير الموظفين ومدير عام الشؤون الإدارية والمدير المالي ونصف( دستة) من موظفي المحاسبة ومثلهم من المديرين والموظفين الصغار والكبار وناقشت معهم كل صغيرة وكبيرة ومع ذلك لم أصل لنتيجة. ولم يبق أمامي إلا المدير حيث طلبت موعداً لمقابلته. فقلن لها في محاولة لتخفيف الصدمات:لا يمكنك الذهاب إلى مكتبه.
ذهبت إلى منزلها وقالت لأمها وأبيها: أنا السبب.. كنت أحاول أن أثبت لنفسي (يا أنا.. يا هم) أنا راجعة إلى أمريكا غداً فبيئة الجامعة العلمية تخاطبني دائما: أنت وبس. وسأرجع إلى أحبتي أدوات البحث وسوف أواصل الليل بالنهار مع فريق العمل من أمريكا وبنجلاديش والصين والهند مستخدمة الثلاثة ملايين دولار المخصصة لميزانية البحث لتقديم اكتشاف يخفف آلام البشرية ويسعد الإنسانية.
نشر في شبكة (سعوديون) بتاريخ 04-10-2009